محمد علي سلامة
100
منهج الفرقان في علوم القرآن
المواضع التي يدخلها النسخ والتي لا يدخلها أما الذي يدخله النسخ فهو الأوامر والنواهي ، والذي لا يدخله النسخ هو الأخبار ، لأن خبر الله تعالى على ما هو عليه فلا يدخله نسخ إلا إذا كان الخبر بمعنى الأمر أو النهى فإن النسخ يجوز أن يدخله حينئذ ومثال الخبر في معنى النهى قوله تعالى : الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ « 1 » فإن ذلك في معنى لا تنكحوا ، ومثال الخبر الذي في معنى الأمر قوله تعالى : تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً « 2 » فإنه في معنى ازرعوا . . وليست جميع الأوامر والنواهي أو الأخبار التي بمعناها قابلة للنسخ بل منها ما لا يدخله النسخ أبدا وهي الأوامر والنواهي المتعلقة بالاعتقادات الراجعة إلى ذات الله تعالى وصفاته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وإنما لم يدخلها النسخ لأنها لا تتغير وقد أمرنا الله باعتقادها . وكذلك الآداب الخلقية لا يدخلها النسخ لأنها أمور عقلية ظاهرة لا يتأتى شرع بخلافها وكذلك أصول العبادات والمعاملات والمزاجر والمشتهيات لا يدخل النسخ في أصولها لأنه يستحيل أن تنفك شريعة من الشرائع عن عبادة واقعة في حيز البدن كالصلاة ، أو واقعة في حيز المال كالزكاة ، أو عبادة في إمساك الشهوة كالصوم كما لا تخلو شريعة عن معاملات بها ينتظم أمر العدالة ويمتنع التهارج ، ولا عن مزاجر بها ينزجر الناس عن استباحة نفوس الغير وأعراضهم وأموالهم وأنسابهم ، وعن استباحة الدين ولا تخلو شريعة أيضا عن إباحة طعام وشراب ونكاح وتحريم طعام وشراب ونكاح ، وإذا كانت الشرائع كلها لا تخلو عن هذه الأمور كانت أصولها غير قابلة للنسخ أما فروعها : وهي هيئاتها وأشكالها وأمكنتها وأزمنتها وأعدادها وبالجملة كمياتها وكيفياتها فهي التي تقبل النسخ . والدليل على أن أصول هذه الأشياء لا تقبل النسخ ما ورد من النصوص
--> ( 1 ) النور : 3 . ( 2 ) يوسف : 47 .